الأحد، ٢٧ ديسمبر ٢٠٠٩

تابعوا موضوعات الكاتب على موقع Qotb.net




السبت، ٢٥ أكتوبر ٢٠٠٨

بوابات الشرق..






في الماضي القريب، كان لكل مدينة أسوار وبوابات تنبغي حمايتها وتقوية دفاعاتها في وجه أي اعتداء خارجي..

وفي العصر الحديث.. انتهى عهد الأسوار والأبراج، وصار على كل دولة أن ترسم حدود أمنها القومي بمنظور أوسع، إذ أصبحت البحار والمحيطات، بديلة عن الأسوار والحصون، وصارت المضائق والمعابر بديلة عن بوابات المدينة التي كانت تغلق في مساء كل يوم، ثم تعود لتفتح مع شروق شمس يوم جديد.

وعلى امتداد مراحل الصراع العربي الإسرائيلي كانت الممرات والمعابر المائية عاملاً محورياً في كل مواجهة مسلحة مع الدولة الصهيونية الوليدة.. وقد مثلت الحيثية الأساسية لنشوب حربي 1956 و1967، التي أدت بدورها إلى معركة أكتوبر تشرين عام 1973.

تأميم قناة السويس وانتزاع محور الملاحة البحرية العالمية الرابط بين شرق وغرب، وشمال وجنوب العالم كان الحدث الذي أطلق شرارة العدوان الثلاثي على مصر..

ومطالبة إسرائيل بحق الملاحة في خليج العقبة كان بداية التداعيات التي انتهت بعملية عسكرية خاطفة نجحت بها إسرائيل في احتلال سيناء كاملة وتأمين خليج العقبة لملاحتها البحرية، فضلاً عن هضبة الجولان والضفة الغربية وغزة.

وكما تقع دولة إسرائيل القائمة على أرض فلسطين المحتلة في قلب العالم العربي، فإن هذا العالم العربي بدوره يقع (على غير رأي منه) في قلب خارطة العالم، وبالتالي فإنه لم يكن من قبيل المصادفة، أن البوابات البحرية الثلاث المؤدية إلى قلب هذا العالم العربي هي بدورها، الممرات البحرية الحيوية التي تربط شرق العالم بغربه وشماله بجنوبه.. 

باب المندب.. البوسفور والدردنيل... وجبل طارق..

هي كلمات مفتاحية ثلاث لسيادة وتقرير مصير هذا العالم العربي، على امتداد مراحل تاريخه.. شاء ذلك أم أباه!

في عام 1973 لم يكن من مفر أمام القيادة المصرية من إغلاق مضيق باب المندب، وبوابة البحر الأحمر بصورة قطعية، لتضمن لقواتها انتصاراً حقيقياً.

ولعلنا إذا ألقينا اليوم نظرة على كل من مضيق البوسفور ومضيق جبل طارق، سندرك ببساطة أن دولاً أعضاء في حلف الناتو باتت تسيطر على البوابتين الرئيسيتين لقلب هذا العالم، وتطل من خلالهما على حدود عالمنا العربي.. إذ تخضع منطقة جبل طارق في إسبانيا لإدارة بريطانية، بينما (وعلى الجهة الأخرى) تخضع سبتة ومليلة لإدارة إسبانية، أما البوسفور فهو كما يعلم الجميع، خاضع للسيادة التركية، ولم يعد مضيق باب المندب اليوم بعيداً عن محاولات التدخل والسيطرة الخارجية.

وإننا لا نبالغ.. إذا تصورنا أن عودة المنطقة العربية للسيطرة على بوابات ملاحتها البحرية ستكون المؤشر الأعظم لتحقيق السيادة الفعلية للعالم العربي على أراضيه ومقدراته، وإذا كان الصراع قد بدأ في القلب، عند ممر قناة السويس الذي حفره المصريون منذ قرن ونصف، ثم انتقل إلى االنزاع على خليج العقبة، والبحر الأحمر.. فإن عودة الثقل السياسي العربي لسابق عهده وسيطرته على ممرات البوسفور وجبل طارق فضلاً عن باب المندب، سوف يكون الفصل الأخير في بعث كيان سياسي عربي جديد، يشارك بقوة في صناعة تاريخ منطقته والعالم، ويقرر مصيره بدراية واقتدار، وسيرسم كذلك مشهد النهاية في حياة الدولة الصهيونية القابعة في قلب المنطقة، ويعنون لحظة اندثارها..

لعل أحدكم يقرأ هذه السطور الأخيرة وكأنه يقرأ عبارات حماسية تحكي أحلاماً وآمالاً يصعب على الإنسان العاقل تصور وقوعها... وإنني أدعو كل من راودته هذه الأفكار وهو يقرأ ما طرحناه.. أن يعود بذهنه إلى الوراء قليلاً.. فينظر ما صنعه سلطان مصر والشام، قبل أن يعبئ الأمة لطرد الصليبيين وسحق ممالكهم في المشرق..

ثم ما قامت به القيادة المصرية من قريب، في حربها الأخيرة أمام الدولة اليهودية.. 

ليدرك طبيعة العوامل التي تحكم الصراع.. وطبيعة المؤشرات التي ترتبط بالنهضة.

الجمعة، ٢١ مارس ٢٠٠٨

مقولات في الحرب

لست أدري أي نوع من الأسلحة سيستخدم في الحرب العالمية الثالثة، لكني أعلم أن الناس سيحاربون في الحرب العالمية الرابعة بالعصي والحجارة !
ألبرت أينشتاين

لا تستطيع أن تقوم بالإعداد للحرب والحيلولة دون نشوبها في ذات الوقت
ألبرت أينشتاين

أسرع الطرق لإنهاء حرب، أن تخسرها !
جورج أورول

السياسة حرب لا تراق فيها دماء، بينما الحرب سياسة تراق فيها الدماء.
ماو تسي تونج

المنتصر الوحيد في حرب 1812 كان تشايكوفسكي !
سولومون شورت

الحرب هي مهرب الجبناء من مشكلات السلام
توماس مان

الحرب لا تعلمنا أن نحب أعدائنا وإنما أن نكره من نحالف
و. ل. جورج

الأموات فقط يرون نهاية الحرب
بلاتو

الهدف من الحرب ليس أن تموت لأجل بلدك ولكن أن تجعل عدوك هو الذي يموت من أجل بلده
جورج باتون

المقاتل الذي يخوض الحرب لا يكون جندي الميدان بقدر ما يكون رجل الشارع..
ولا يكون الجيش المسلح، بقدر ما يكون المجتمع الذي يقف من ورائه..
أحمد القطب

لن تستطيع أن تصنع سلاماً حقيقياً إلا حين تملك القدرة على شن حرب حقيقية
أحمد القطب



الثلاثاء، ٤ مارس ٢٠٠٨

ميركافا.. مراكب الموت في فلسطين

في عام 1970 قررت الحكومة الإسرائيلية أن على إسرائيل أن تصنع مدرعاتها بنفسها بعد أن واجهت مشكلات في إبرام صفقات تسلح تغطي احتياجاتها من دبابات القتال.. ومع بداية الثمانينيات بدأت إسرائيل في إنتاج دبابة القتال الرئيسية لجيشها مستفيدة من دروس حرب يوم الغفران 1973،..





تحدثنا في السابق عن النمور الألمانية المدرعة في الحرب العالمية الثانية وتطرقنا إلى دبابات القتال التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في حروبه ضد الجيوش العربية في 1967 و1973، والآن سنتحدث عن الدبابة التي صممتها وصنعتها إسرائيل، لتخوض حروبها خارج الحدود الإسرائيلية في لبنان، وفي المناطق الفلسطينية المحتلة..

في عام 1970 قررت الحكومة الإسرائيلية أن على إسرائيل أن تصنع مدرعاتها بنفسها بعد أن واجهت مشكلات في إبرام صفقات تسلح تغطي احتياجاتها من دبابات القتال..

ومع بداية الثمانينيات بدأت إسرائيل في إنتاج دبابة القتال الرئيسية لجيشها مستفيدة من دروس حرب يوم الغفران 1973،.. وقد حملت الدبابة اسم: ميركافا أو (مركبة) كما تنطق باللفظ العبري (מרכבה)، والاسم يرجع إلى قصة توراتية في سفر حزقيال تحدثت عن مشهد مركبة سماوية تمشي على عجلات وتحملها ملائكة مجنحة في "موكب الرب إله إسرائيل".. لكن المركبة التي نتحدث عنها الآن هي (مدرعة أرضية) تسير على (جنزير) وتحمل الموت لآلاف الأبرياء في الأرض المقدسة.. وخارجها إذا لزم الأمر !

حتى اللحظة.. أنتجت الدولة اليهودية أربع إصدارات من المركبة المدرعة:
Merkava Mark I, Merkava Mark II, Merkava Mark III, Merkava Mark IV

وقد صممت الميركافا لتوفر أكبر حماية لطاقم بشري مؤلف من أربعة أفراد، قائد الدبابة، سائقها، فرد تحميل الذخيرة، وفرد المدفعية (المسؤول عن التوجيه والإطلاق).. كما يسمح تصميمها بسرعة استبدال الأجزاء المتضررة خلال المعركة، ويتميز درعها المزدوج بتصميم يصعب اختراقه بقذائف الصواريخ الخارقة للدروع High Explosive Anti-Tank rounds، في حين وُضع برج الدبابة إلى الخلف في مكان أقرب لمؤخرتها على نحو جعل طاقمها في حماية إضافية بوجودهم وراء المحرك كما أن اتساع الدرع لمساحة إضافية في الخلف جعل الدبابة قادرة على حمل أحجام إضافية من الذخيرة أو التجهيزات الطبية الميدانية أو المزيد من الأفراد.. على نحو يجعل الميركافا صالحة للاستعمال في ميدان المعركة كدبابة قتال أساسية للجيش، وصالحة أيضاً للعمل كعربة مدرعة لفرق مشاة ميكانيكية، مما يعني أن تصميم هذه الدبابة قد وضع ابتداءً لخوض حروب الاستنزاف وحروب الشوارع ..!

نزلت الميركافا إلى ميدان القتال لأول مرة في اجتياح لبنان عام 1982، ولم تلبث أن عانت من نقطة ضعف قاتلة في درعها الخلفي، وقد أفضت نتائج اختبارها الميداني في حرب لبنان إلى تطوير نموذج جديد باسم ميركافا مارك 2 Merkava Mark II، والتي كانت مصممة خصيصاً لحرب الشوارع والمواجهات العسكرية المحدودة، وقد دخلت الخدمة في إبريل 1983.

في نهاية الثمانينات ظهرت الميركافا مارك 3 بمزيد من التطوير والإضافات، ثم تلتها ميركافا مارك 4 بعد عشر سنوات، لتكون آخر حلقات تلك السلسلة وأكثرها تطوراً، إذ خرجت إلى الميدان بدروع أكثر قوة ونظام متطور لإطلاق القذائف، و"جنزير" مطور ليناسب صخور مرتفعات الجولان والجنوب اللبناني.. فضلاً عن نظام رقمي لإدارة العمل في ميدان المعركة.
على مدار سنوات خدمتها في جيش "الدفاع" الإسرائيلي واجهت الميركافا صعوبات عدة.. أسهمت بصورة غير مباشرة في مراحل تطويرها المتتابعة.. وفي حين ظفرت المقاومة الفلسطينية بتدميرها أكثر من مرة فإن أداء الطراز الرابع من ميركافا في الحرب على لبنان صيف 2006 كان مثاراً لجدل شديد في أوساط الحكومة ووزارة الدفاع الإسرائيليتين.. إذ تمكنت صواريخRPG-29 الروسية الصنع لدى حزب الله من تدمير ما يقرب من 50 دبابة فضلاً عن الدبابات التي تعرضت لخرق دروعها دون أن تتعطل كلياً.. إلا أن حكومة إسرائيل اعتبرت أنها نتيجة لا بأس بها في مواجهة مفتوحة بهذا الحجم، خاصة إذا ما قورنت بدبابات تشالنجر البريطانية وإم 1 أبرامز الأمريكية في العراق.. وعزت حجم الخسائر الذي تحقق في الحرب الأخيرة على لبنان إلى انخفاض مستوى التدريب والكفاءة لدى القوات المسلحة.

حتى الآن لم تشهد ساحات القتال مواجهة حقيقة بين دبابات المريكافا وبين أي نوع آخر من الدبابات الروسية أو الأمريكية الصنع لدى أي من الجيوش العربية في المنطقة، وليس معروفاً على وجه التحديد هل يمكن لهذه الدبابة أن تخوض حرباً نظامية في حجم حرب أكتوبر 1973 ؟ .... لسنا بالطبع قادرين على الإجابة على سؤال كهذا الآن.. وستبقى الإجابة عليه معلقة بخط سير الأحداث في المناطق العربية المحتلة والمحيطة بإسرائيل.. وإلى أن تأتي هذه اللحظة.. سنظل نتعامل مع ميركافا بالصواريخ والقذائف المضادة للدروع في حروب الشوارع وحروب العصابات.. التي صممت لخوضها مراكب الموت المدرعة (ميركافا).





الاثنين، ٣ مارس ٢٠٠٨

المعركة التي نطق فيها السلاح



على مدار سنوات الصراع الذي دار بين دولة إسرائيل وبين الدول والأنظمة العربية على اختلاف مشاربها وأهوائها، كانت معارك إسرائيل مع العرب جميعها تتسم بطابع خاص لم يتغير.. ربما إلى اليوم، فمنذ أن نشأت إسرائيل وهي دولة تفتقر إلى العمق الجغرافي كما تفتقر إلى العمق البشري (التعداد البشري) اللذان لا يسمحان لها بقبول أية خسائر بشرية أو ميدانية..ولو قليلة ..

فمساحة إسرائيل الجغرافية اليوم، وبعد أن حققت كل ما حققته من احتلال وضمّ لأراضٍ عربية وبناء لمستوطنات جديدة.. لا تصل إلى 30 ألف كيلومتراً مربعاً، أي أقل من 3% من المساحة الكلية لدولة مثل مصر، وأقل من 16% من المساحة الكلية لسورية.

وفي عام 1973 حين كان تعداد القوات المسلحة المصرية وحدها يقارب المليون ما بين ضباط وجنود كان التعداد السكاني للمجتمع الإسرائيلي بأسره لا يكاد يتجاوز الملايين الثلاثة!.........المـــــزيد



إسرائيل... التي تدافع عن نفسها



الأربعاء، ٢٣ يناير ٢٠٠٨

عملية بارباروسا – الصراع

مما يتبين لنا حين نطالع مذكرات الفيلد مارشال إيريك فون مانشتاين التي أشرنا إليها سابقاً في معركة بريطانيا والذي كان قائداًً للفيلق 56 بانزر ضمن المجموعة الرابعة بانزر في مجموعة الجيوش الشمالية للهجوم، وعلى غير ما يتصور الكثيرون، أن ألمانيا في بداية الحرب وربما حتى اجتياح الاتحاد السوفييتي لم تكن تعتمد في معاركها على قوات كثيفة العدد...






إن أهم شرط ينبغي أن يتوافر للقيام بهجوم ميداني ناجح بعد وضع الخطة المناسبة، وتوافر الدعم الكافي لإتمام الهجوم، أن تستمر القوة الدافعة للقوات المهاجمة حتى تتحقق الأهداف الأساسية للعملية الهجومية..

فتوقف القوات في أي مرحلة من مراحل الهجوم من شأنه أن يسفر عن عاملين في غاية الخطورة:

1- انتفاء عامل المفاجأة للقوات المدافعة.. وإعطاء الفرصة لها بدراسة الوضع وإعادة ترتيب أوضاعها

1- انكشاف خطوط القوات المسلحة للجيوش الميدانية المهاجمة وتعريضها لهجمات مضادة متفرقة في هيئة حرب عصابات تقوم باستنزاف طاقات الوحدات الميدانية وضرب الروح المعنوية للجنود.. فضلاً عن تحويل رأس حربة القوات المسلحة المهاجمة إلى جيب ضارب في عمق أراضي العدو، ومعرض لهجوم مضاد شامل من ثلاث جهات.
....................................

مما يتبين لنا حين نطالع مذكرات الفيلد مارشال إيريك فون مانشتاين التي أشرنا إليها سابقاً في معركة بريطانيا والذي كان قائداًً للفيلق 56 بانزر ضمن المجموعة الرابعة بانزر في مجموعة الجيوش الشمالية للهجوم، وعلى غير ما يتصور الكثيرون، أن ألمانيا في بداية الحرب وربما حتى اجتياح الاتحاد السوفييتي لم تكن تعتمد في معاركها على قوات كثيفة العدد، بل وإن مدرعاتها وطائراتها لم تكن في كثير من الأحيان أعلى كفاءة من مقاتلات قوات الأعداء، وقد ظهر ذلك جلياً في معركة بريطانيا، حين وقعت المقارنة صريحة بين المسرشمت 109 وبين سبت-فاير وهاريكان البريطانيتين..

وعليه فإن الفيرماخت قد أثبت كفاءته الفائقة وقدرته المذهلة على الاجتياح المسلح وإسقاط الجيوش في أيام معدودات، بفضل كفاءة القادة العسكريين الذين قاتلوا على كل تلك الجبهات في الحرب العالمية الأولى، وقدرة الجنود والضباط ومعنوياتهم العالية.. وثقتهم من النصر، وقبل كل هذا بفضل النظرية التكتيكية العبقرية التي وضعها جوديريان، والتي غيرت وجه التكتيك العسكري الحديث على مدار القرن العشرين..

وعلى هذا فإن الجيش الألماني الذي أتى على نصف أوربا في عامين كان ناجحاً أيما نجاح في كل العمليات العسكرية السريعة الخاطفة، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق النجاح نفسه في مواجهة بريطانيا كما أسلفنا الذكر.. ثم أدى التحول في الاستراتيجية أثناء غزو الاتحاد السوفييتي، وتوقف الهجوم في توقيت حرج إلى قلب الوضع بصورة لم تكن محسوبة من قبل القيادة الألمانية.

لقد كان الألمان في أغسطس 1941 على وشك اتخاذ الخطوة الأخيرة لإنهاء الحملة، وطي الصفحة الأخيرة من تاريخ الاتحاد السوفييتي والشيوعية في شرق أوربا، وقد كان ذلك يبدو للمشاهدين وشيكاً للغاية..

فقد كانت كل من فنلندا والمجر ورومانيا وبلغاريا تخوض حرباً مصيرية ضد الشيوعية مؤيدة للرايخ الثالث، كما كانت دول جمهورية مطمورة في كيان الاتحاد السوفييتي على استعداد لاستقبال القوات الألمانية استقبال الفاتحين.. الأمر الذي لم تستغله القيادة الألمانية في وقته بعد أن كانت قد شربت حتى الثمالة من خمر الانتصار والتفوق العسكري.

لكل هذه الأسباب ولأسباب ميدانية تكتيكية غاية في التفصيل تعكسها مذكرات المارشالات الألمان، كانت القوات الألمانية غير مؤهلة لخوض حرب طويلة الأمد وشن هجمات عملاقة على جبهة يزيد طولها على الألف كيلومتر.. وقد كان توقف موجة الهجوم الألماني بعد قطع ذلك الشوط، إيذاناًَ للقيادة السوفييتية بتولي زمام المبادرة..
وقد انتظر ستالين حتى أطل الشتاء الروسي بوجهه القبيح.. ليقوم بمباشرة خطة منظمة للهجوم المضاد، ودفع جيوش الرايخ إلى الوراء..

الجيوش السوفييتية كانت عظيمة التشكيلات.. ودبابات T-34 كانت هائلة العدد، إلا أن السوفييت لم يكونوا على نفس قدر الكفاءة التكتيكية والتقدم التقني للقوات الألمانية.

وصار الصيف والشتاء على مدار هذه الحرب جولتين متبادلتين للصراع.. يتقدم الألمان في الصيف.. ثم يضرب الروس في الشتاء.

وحين حل صيف عام 1942 كان الألمان يباشرون خطة هجوم أخيرة في إطار استراتيجية مختلفة.. فالولايات المتحدة كانت قد دخلت الحرب، وإيطاليا كانت متورطة مع البريطانيين في شمال إفريقية، وكان على هتلر أن يرسل إيرفين رومل بقوة ألمانية لتأمين الجبهة الجنوبية لأوربا، وكل هذا اقتضى مصادر أكبر للوقود، واقتضى بالتالي أن تتجه أنظار الغزاة الألمان إلى جنوب الاتحاد السوفييتي، أوكرانيا ومنطقة القوقاز، وما تقدمه من مخزون هائل للموارد الطبيعية.

تمكن الألمان من الاستيلاء على ستالينجراد بعد معارك شرسة صبغت صفحات التاريخ باللون الأحمر، وكانوا على وشك إحكام السيطرة على مصبات أنهار الدون والفولجا في الجنوب، لكن الجيش الأحمر في خريف 1942 كان غيره في خريف 1941، وكان هتلر قد أصبح أكثر تعسفاً وتعنتاً في قيادته للقوات، وقع هتلر في نفس الخطأ الذي وقعت فيه الإدارة الأمريكية عام 2003 في اجتياح العراق، وظن أن الاستيلاء على الأرض، هو الإنجاز العسكري الحقيقي الذي يمكن أن يسمى انتصاراً، دون أن يعي بأن التواجد على الأرض قبل التمكن من تدمير القوات المعادية التي يمكن أن تشن هجوماً معاكساً، ليس سوى نصراً مؤقتاً ليس له قيمة سياسية حقيقية، فصار يرفض أي انسحاب مؤقت لإظهار مرونة تقتضيها العمليات، وأصبح يصر على أن تظل قواته تقاتل من أجل المناطق التي احتلتها حتى آخر رجل، مما أدى في النهاية إلى حصار الجيش الميداني السادس داخل ستالينجراد، ولم يتمكن الفيلد مارشال فون باولوس قائد الجيش السادس من اختراق الحصار والخروج من المدينة حتى بعد أن تمكن فون مانشتاين بهجوم ناجح من إحداث ثغرة في الحصار تسمح بالانسحاب..

عرفت كارثة ستالينجراد والقضاء على الجيش السادس، بنقطة التحول المحورية في تاريخ الحرب العالمية الثانية، فبعدها انتهى أمل ألمانيا في السيطرة على مناطق البترول، وبدأت قوات رومل في التراجع أمام القوات البريطانية في شمال إفريقية لنقص الوقود..

وصار من بعدها الصراع داخل الأراضي السوفييتيه بالنسبة للألمان صراع من أجل البقاء.. لا من أجل فرض السيطرة