أحمد القطب – مساحة رأي – ولاد البلد – 7/10/2008
في الماضي القريب، كان لكل مدينة أسوار وبوابات تنبغي حمايتها وتقوية دفاعاتها في وجه أي اعتداء خارجي..
وفي العصر الحديث.. انتهى عهد الأسوار والأبراج، وصار على كل دولة أن ترسم حدود أمنها القومي بمنظور أوسع، إذ أصبحت البحار والمحيطات، بديلة عن الأسوار والحصون، وصارت المضائق والمعابر بديلة عن بوابات المدينة التي كانت تغلق في مساء كل يوم، ثم تعود لتفتح مع شروق شمس يوم جديد.
وعلى امتداد مراحل الصراع العربي الإسرائيلي كانت الممرات والمعابر المائية عاملاً محورياً في كل مواجهة مسلحة مع الدولة الصهيونية الوليدة.. وقد مثلت الحيثية الأساسية لنشوب حربي 1956 و1967، التي أدت بدورها إلى معركة أكتوبر تشرين عام 1973.
تأميم قناة السويس وانتزاع محور الملاحة البحرية العالمية الرابط بين شرق وغرب، وشمال وجنوب العالم كان الحدث الذي أطلق شرارة العدوان الثلاثي على مصر..
ومطالبة إسرائيل بحق الملاحة في خليج العقبة كان بداية التداعيات التي انتهت بعملية عسكرية خاطفة نجحت بها إسرائيل في احتلال سيناء كاملة وتأمين خليج العقبة لملاحتها البحرية، فضلاً عن هضبة الجولان والضفة الغربية وغزة.
وكما تقع دولة إسرائيل القائمة على أرض فلسطين المحتلة في قلب العالم العربي، فإن هذا العالم العربي بدوره يقع (على غير رأي منه) في قلب خارطة العالم، وبالتالي فإنه لم يكن من قبيل المصادفة، أن البوابات البحرية الثلاث المؤدية إلى قلب هذا العالم العربي هي بدورها، الممرات البحرية الحيوية التي تربط شرق العالم بغربه وشماله بجنوبه..
باب المندب.. البوسفور والدردنيل... وجبل طارق..
هي كلمات مفتاحية ثلاث لسيادة وتقرير مصير هذا العالم العربي، على امتداد مراحل تاريخه.. شاء ذلك أم أباه!
في عام 1973 لم يكن من مفر أمام القيادة المصرية من إغلاق مضيق باب المندب، وبوابة البحر الأحمر بصورة قطعية، لتضمن لقواتها انتصاراً حقيقياً.
ولعلنا إذا ألقينا اليوم نظرة على كل من مضيق البوسفور ومضيق جبل طارق، سندرك ببساطة أن دولاً أعضاء في حلف الناتو باتت تسيطر على البوابتين الرئيسيتين لقلب هذا العالم، وتطل من خلالهما على حدود عالمنا العربي.. إذ تخضع منطقة جبل طارق في إسبانيا لإدارة بريطانية، بينما (وعلى الجهة الأخرى) تخضع سبتة ومليلة لإدارة إسبانية، أما البوسفور فهو كما يعلم الجميع، خاضع للسيادة التركية، ولم يعد مضيق باب المندب اليوم بعيداً عن محاولات التدخل والسيطرة الخارجية.
وإننا لا نبالغ.. إذا تصورنا أن عودة المنطقة العربية للسيطرة على بوابات ملاحتها البحرية ستكون المؤشر الأعظم لتحقيق السيادة الفعلية للعالم العربي على أراضيه ومقدراته، وإذا كان الصراع قد بدأ في القلب، عند ممر قناة السويس الذي حفره المصريون منذ قرن ونصف، ثم انتقل إلى االنزاع على خليج العقبة، والبحر الأحمر.. فإن عودة الثقل السياسي العربي لسابق عهده وسيطرته على ممرات البوسفور وجبل طارق فضلاً عن باب المندب، سوف يكون الفصل الأخير في بعث كيان سياسي عربي جديد، يشارك بقوة في صناعة تاريخ منطقته والعالم، ويقرر مصيره بدراية واقتدار، وسيرسم كذلك مشهد النهاية في حياة الدولة الصهيونية القابعة في قلب المنطقة، ويعنون لحظة اندثارها..
لعل أحدكم يقرأ هذه السطور الأخيرة وكأنه يقرأ عبارات حماسية تحكي أحلاماً وآمالاً يصعب على الإنسان العاقل تصور وقوعها... وإنني أدعو كل من راودته هذه الأفكار وهو يقرأ ما طرحناه.. أن يعود بذهنه إلى الوراء قليلاً.. فينظر ما صنعه سلطان مصر والشام، قبل أن يعبئ الأمة لطرد الصليبيين وسحق ممالكهم في المشرق..
ثم ما قامت به القيادة المصرية من قريب، في حربها الأخيرة أمام الدولة اليهودية..
ليدرك طبيعة العوامل التي تحكم الصراع.. وطبيعة المؤشرات التي ترتبط بالنهضة.
السبت، ٢٥ أكتوبر ٢٠٠٨
بوابات الشرق..
Posted by
أحمد القطب
at
١٠:٣٢ ص
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق