الأربعاء، ٢٣ يناير ٢٠٠٨

عملية بارباروسا – الصراع

مما يتبين لنا حين نطالع مذكرات الفيلد مارشال إيريك فون مانشتاين التي أشرنا إليها سابقاً في معركة بريطانيا والذي كان قائداًً للفيلق 56 بانزر ضمن المجموعة الرابعة بانزر في مجموعة الجيوش الشمالية للهجوم، وعلى غير ما يتصور الكثيرون، أن ألمانيا في بداية الحرب وربما حتى اجتياح الاتحاد السوفييتي لم تكن تعتمد في معاركها على قوات كثيفة العدد...






إن أهم شرط ينبغي أن يتوافر للقيام بهجوم ميداني ناجح بعد وضع الخطة المناسبة، وتوافر الدعم الكافي لإتمام الهجوم، أن تستمر القوة الدافعة للقوات المهاجمة حتى تتحقق الأهداف الأساسية للعملية الهجومية..

فتوقف القوات في أي مرحلة من مراحل الهجوم من شأنه أن يسفر عن عاملين في غاية الخطورة:

1- انتفاء عامل المفاجأة للقوات المدافعة.. وإعطاء الفرصة لها بدراسة الوضع وإعادة ترتيب أوضاعها

1- انكشاف خطوط القوات المسلحة للجيوش الميدانية المهاجمة وتعريضها لهجمات مضادة متفرقة في هيئة حرب عصابات تقوم باستنزاف طاقات الوحدات الميدانية وضرب الروح المعنوية للجنود.. فضلاً عن تحويل رأس حربة القوات المسلحة المهاجمة إلى جيب ضارب في عمق أراضي العدو، ومعرض لهجوم مضاد شامل من ثلاث جهات.
....................................

مما يتبين لنا حين نطالع مذكرات الفيلد مارشال إيريك فون مانشتاين التي أشرنا إليها سابقاً في معركة بريطانيا والذي كان قائداًً للفيلق 56 بانزر ضمن المجموعة الرابعة بانزر في مجموعة الجيوش الشمالية للهجوم، وعلى غير ما يتصور الكثيرون، أن ألمانيا في بداية الحرب وربما حتى اجتياح الاتحاد السوفييتي لم تكن تعتمد في معاركها على قوات كثيفة العدد، بل وإن مدرعاتها وطائراتها لم تكن في كثير من الأحيان أعلى كفاءة من مقاتلات قوات الأعداء، وقد ظهر ذلك جلياً في معركة بريطانيا، حين وقعت المقارنة صريحة بين المسرشمت 109 وبين سبت-فاير وهاريكان البريطانيتين..

وعليه فإن الفيرماخت قد أثبت كفاءته الفائقة وقدرته المذهلة على الاجتياح المسلح وإسقاط الجيوش في أيام معدودات، بفضل كفاءة القادة العسكريين الذين قاتلوا على كل تلك الجبهات في الحرب العالمية الأولى، وقدرة الجنود والضباط ومعنوياتهم العالية.. وثقتهم من النصر، وقبل كل هذا بفضل النظرية التكتيكية العبقرية التي وضعها جوديريان، والتي غيرت وجه التكتيك العسكري الحديث على مدار القرن العشرين..

وعلى هذا فإن الجيش الألماني الذي أتى على نصف أوربا في عامين كان ناجحاً أيما نجاح في كل العمليات العسكرية السريعة الخاطفة، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق النجاح نفسه في مواجهة بريطانيا كما أسلفنا الذكر.. ثم أدى التحول في الاستراتيجية أثناء غزو الاتحاد السوفييتي، وتوقف الهجوم في توقيت حرج إلى قلب الوضع بصورة لم تكن محسوبة من قبل القيادة الألمانية.

لقد كان الألمان في أغسطس 1941 على وشك اتخاذ الخطوة الأخيرة لإنهاء الحملة، وطي الصفحة الأخيرة من تاريخ الاتحاد السوفييتي والشيوعية في شرق أوربا، وقد كان ذلك يبدو للمشاهدين وشيكاً للغاية..

فقد كانت كل من فنلندا والمجر ورومانيا وبلغاريا تخوض حرباً مصيرية ضد الشيوعية مؤيدة للرايخ الثالث، كما كانت دول جمهورية مطمورة في كيان الاتحاد السوفييتي على استعداد لاستقبال القوات الألمانية استقبال الفاتحين.. الأمر الذي لم تستغله القيادة الألمانية في وقته بعد أن كانت قد شربت حتى الثمالة من خمر الانتصار والتفوق العسكري.

لكل هذه الأسباب ولأسباب ميدانية تكتيكية غاية في التفصيل تعكسها مذكرات المارشالات الألمان، كانت القوات الألمانية غير مؤهلة لخوض حرب طويلة الأمد وشن هجمات عملاقة على جبهة يزيد طولها على الألف كيلومتر.. وقد كان توقف موجة الهجوم الألماني بعد قطع ذلك الشوط، إيذاناًَ للقيادة السوفييتية بتولي زمام المبادرة..
وقد انتظر ستالين حتى أطل الشتاء الروسي بوجهه القبيح.. ليقوم بمباشرة خطة منظمة للهجوم المضاد، ودفع جيوش الرايخ إلى الوراء..

الجيوش السوفييتية كانت عظيمة التشكيلات.. ودبابات T-34 كانت هائلة العدد، إلا أن السوفييت لم يكونوا على نفس قدر الكفاءة التكتيكية والتقدم التقني للقوات الألمانية.

وصار الصيف والشتاء على مدار هذه الحرب جولتين متبادلتين للصراع.. يتقدم الألمان في الصيف.. ثم يضرب الروس في الشتاء.

وحين حل صيف عام 1942 كان الألمان يباشرون خطة هجوم أخيرة في إطار استراتيجية مختلفة.. فالولايات المتحدة كانت قد دخلت الحرب، وإيطاليا كانت متورطة مع البريطانيين في شمال إفريقية، وكان على هتلر أن يرسل إيرفين رومل بقوة ألمانية لتأمين الجبهة الجنوبية لأوربا، وكل هذا اقتضى مصادر أكبر للوقود، واقتضى بالتالي أن تتجه أنظار الغزاة الألمان إلى جنوب الاتحاد السوفييتي، أوكرانيا ومنطقة القوقاز، وما تقدمه من مخزون هائل للموارد الطبيعية.

تمكن الألمان من الاستيلاء على ستالينجراد بعد معارك شرسة صبغت صفحات التاريخ باللون الأحمر، وكانوا على وشك إحكام السيطرة على مصبات أنهار الدون والفولجا في الجنوب، لكن الجيش الأحمر في خريف 1942 كان غيره في خريف 1941، وكان هتلر قد أصبح أكثر تعسفاً وتعنتاً في قيادته للقوات، وقع هتلر في نفس الخطأ الذي وقعت فيه الإدارة الأمريكية عام 2003 في اجتياح العراق، وظن أن الاستيلاء على الأرض، هو الإنجاز العسكري الحقيقي الذي يمكن أن يسمى انتصاراً، دون أن يعي بأن التواجد على الأرض قبل التمكن من تدمير القوات المعادية التي يمكن أن تشن هجوماً معاكساً، ليس سوى نصراً مؤقتاً ليس له قيمة سياسية حقيقية، فصار يرفض أي انسحاب مؤقت لإظهار مرونة تقتضيها العمليات، وأصبح يصر على أن تظل قواته تقاتل من أجل المناطق التي احتلتها حتى آخر رجل، مما أدى في النهاية إلى حصار الجيش الميداني السادس داخل ستالينجراد، ولم يتمكن الفيلد مارشال فون باولوس قائد الجيش السادس من اختراق الحصار والخروج من المدينة حتى بعد أن تمكن فون مانشتاين بهجوم ناجح من إحداث ثغرة في الحصار تسمح بالانسحاب..

عرفت كارثة ستالينجراد والقضاء على الجيش السادس، بنقطة التحول المحورية في تاريخ الحرب العالمية الثانية، فبعدها انتهى أمل ألمانيا في السيطرة على مناطق البترول، وبدأت قوات رومل في التراجع أمام القوات البريطانية في شمال إفريقية لنقص الوقود..

وصار من بعدها الصراع داخل الأراضي السوفييتيه بالنسبة للألمان صراع من أجل البقاء.. لا من أجل فرض السيطرة








هناك تعليق واحد:

Lens Geek يقول...

جميل قوي التغطية السريعه لمعارك بارباروسا
بس كان نفسي تفاصيل اكتر