إذا كنا نعتبر الحرب العالمية الثانية مدرسة كبرى للتاريخ العسكري الحديث، فإن الحرب في شرق أوربا ونعني بذلك المعارك التي دارت بين الرايخ الثالث والاتحاد السوفييتي السابق منذ عام 1941 وحتى 1945، تعد بذاتها مدرسة حربية عظيمة الأثر في التاريخ العسكري على المستويين التكتيكي والاستراتيجي. كنا قد أوضحنا سابقاً وضع القيادة الألمانية وهيئة أركانها أثناء وبعد معركة بريطانيا، ومدى التخبط الذي وقعت فيه القيادة العليا للفيرماخت أو الجيش الألماني، الأمر الذي انتهى إلى إجهاض عملية غزو شامل للجزيرة البريطانية دونما نتائج إيجابية ميدانياً أو سياسياًً.. في حين أسفرت معركة بريطانيا عن ترك المملكة البريطانية في حالة حرب واستنفار وتعبئة، ضد الرايخ الألماني الثالث، أعطت الفرصة للولايات المتحدة أن تشترك بقوة في الهجوم الجوي على ألمانيا منذ عام 1942، بعد ان تسببت اليابان في دخولها الحرب. في حين كانت ألمانيا ملتحمة مع الاتحاد السوفييتي في الشرق في معارك مروعة على طول جبهة تمتد لما يزيد على الـ1000 كلم ! وهكذا ففي صيف عام 1941، كانت القيادة الألمانية العليا (أدولف هتلر) قد اتخذت قرارها واعتمدت خطة عمليات نهائية لاجتياح الاتحاد السوفييتي.. حملت الخطة اسم (بارباروسا) وهو أحد أباطرة ألمانيا في العصور الوسطى، وكان أحد قادة الحملة الصليبية الثالثة على القدس ضد صلاح الدين الأيوبي. والمشكلة التي دائماً ما تواجه كل قوة مسلحة تقوم بعملية اجتياح أو تحرير لأرض تتميز بمساحة شاسعة، وعمق استراتيجي كبير، هي مشكلة الدعم والإمداد.. فأينما اتجهت فيالق المشاة والمدرعات، لا بد وأن تظل على اتصال بمراكز القيادة، ولا بد وأن تبقى خطوط الإمداد بالوقود والمؤن والذخيرة متصلة عبر هذا العمق.. وكلما توغلت القوات على الأرض لمسافات أطول كلما زادت تكلفة وصعوبة الإمداد.. كما يزداد طول الشرايين التي تمد الأعضاء البعيدة عن القلب بالدم الجديد بصورة متواصلة.. وإذا انقطعت تلك الشرايين.. فإن الأعضاء التي تعتمد عليها في الحصول على الدماء.. تموت تدريجياً.. وهو بالضبط ما يحصل للقوات المسلحة على الأرض.. استقر الرأي النهائي لوضع الخطة على الهجوم بثلاث مجموعات جيوش: مجموعة شمالية بقيادة فيلد مارشال فون ليب (وكان القائد العام للحملة) وجهتها الأساسية ليننجراد ومنطقة البلطيق. ومجموعة جيوش جنوبية بقيادة فون روندشتد وتستهدف اختراق أوكرانيا والسيطرة على حوض الفولجا والمناطق القوقازية الغنية بالنفط والمواد الخام. ومجموعة جيوش الوسط بقيادة فون بوك وهي تستهدف سمولنسك ومن ورائها موسكو العاصمة. وكانت القيادة الألمانية تستهدف التوغل شمالاً للقضاء على معقل البلشيفية السوفييتية، وجنوباً للاستيلاء على منابع النفط وحرمان الاتحاد السوفييتي من مصادر الطاقة، وفي الوسط برأس حربة مدرعة تخترق الجيش الأحمر وتحول دون أي فرصة لانسحابه شرقاً إلى ما وراء جبال الأورال تمهيداً للقضاء عليه نهائياً.. في الحلقة القادمة سنتحدث تفصيلاً عن تشكيلات الجيوش الألمانية المهاجمة، وأول هجوم مضاد للجيش الأحمر. |
السبت، ١٢ يناير ٢٠٠٨
عملية بارباروسا - اجتياح الاتحاد السوفييتي
Posted by
أحمد القطب
at
٢:١٠ ص
Labels: 1941, اجتياح, الاتحاد السوفييتي, الحرب ضد روسيا, بارباروسا, Eastern Front, invasion, Operation barbarossa, Raid, War in Russia, War in the east
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

هناك تعليقان (٢):
حلوة قوي المرة دي بحد ياباشمهندس بجد عجبتني قوي بس عايزه تكمل بسرعة بس.
المهم أنا كان عندي ملحوظة صغيرة ميش كنت طلعت الحته اللي كنت كتبتها في معركة بريطانيا الجزء الأول اللي هي ". ويتفرغ لسحق الاتحاد السوفييتي في الشرق.. القوة الوحيدة المنافسة لألمانيا على الساحة الأوربية، خاصة وأن هتلر كان يبغض الفكر الشيوعي بشدة ويضمر كل الشر للكتلة الشيوعية الرابضة على حدوده الشرقية"
عشان بس الناس اللي داخله سواء جديدة أو قديمة تبقي قافشة الحوار واهو بردو دعاية للموضوعات القديمة ولا إيه؟
شكرا لك على ما تقوم به من مجهود رائع في هذه المدونة، لقد وضعت لك وصلة في مدونتي، وأتمنى لو تضع لي وصلة عندك
وأعتقد أن هذا التورانت قد يفيدك كثيرا
http://mininova.bittorrent.am/
torrent/1090037/6/310/
Some_History_books.html
ومرة أخرى شكرا لك على مجهودك الرائع
إرسال تعليق